الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

71

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

كالصّنو من الصّنو ، والذّراع من العضد » ( 1 ) . وكان كلامه عليه السّلام أولى من كلام قيل فيه : وكلام لا تمجهّ الاذان ، ولا تبليه الأزمان . كلام قريب شاسع ، ومطمع مانع ، كالشمس تقرب ضياء ، وتبعد علاء ، أو كالماء يرخص موجودا ، ويغلو مفقودا . كلام سهل متسلسل كالمدام بماء غلام ، يقرب أذنه على الأفهام . كلام كبرد الشراب على الأكباد الأحرار ، وبرد الشباب في خلع العذار . كلام كثير العيون ، سلس المتون ، رقيق الحواشي ، سهل النواحي . كلام هو السّحر الحلال ، والماء الزّلال ، والبرود والحبر ، والأمثال والعبر ، والنعيم الحاضر ، والشباب الناضر . نظرت منه إلى صورة الظرف بحتا ، وصورة البلاغة سبكا ونحتا . كلام يسرّ المحزون ، ويسهّل الحزون ، ويعطّل الدرّ المخزون . كلام بعيد من الكلف ، نقي من الكلف ، كما ينفس السحر عن نسيمه ، ويبسم الدرّ عن نظيمه . كلام كالبشرى بالولد الكريم ، قرع به سمع الشيخ العقيم ، كلام أنسى حلاوة الأولاد بحلاوته ، وطلاوة الربيع بطلاوته . كلام قرب حتى أطمع ، وبعد حتى امتنع ، قرب حتّى صار قاب قوسين أو أدنى ، ثم علا حتّى صار بالمنزل الأعلى ، رقيق المزاج ، حلو السماع ، نقي السبك ، مقبول اللفظ . قرأت لفظا جليّا ، حوى معنى خفيّا ، وكلاما قريبا ، رمى غرضا بعيدا . كلام أنس المقيم الحاضر ، وزاد الراحل المسافر . كلام يصغي إليه المقبور وينتفض له العصفور . كلام يقضي حقّ البيان ، ويملك رق الحسن والاحسان . كلام منه يجتنى الدرّ ، وبه يعقد السحر ، وعنده يغيب الدهر ، وله ينشرح الصدر . كلام كما هبّ نسيم السحر على صفحات الزهر . « فأجبتهم إلى الابتداء بذلك عالما بما فيه من عظيم النفع » ينتفع به جميع

--> ( 1 ) أخرجه الشريف الرضي في نهج البلاغة 3 : 73 ضمن الكتاب ( 45 ) .